المكتشفة الصغيرة

المكتشفة الصغيرة

في يَوْمٍ مِنْ أَيّامِ الرَّبيعِ أَخْرَجَ الأَبُ زَهْرَةَ وإِخْوَتَها إِلى مِنْطَقَةِ جَبَلِيَّةٍ جَميلَة، كانَتْ زَهْرَةُ ونَرْجِسُ وياسَمينُ ورِياضُ عَلى أَتَمِّ الاسْتِعْدادِ لِهَذِهِ الرَِحْلَةِ.

حَمَلَتْ زَهْرَةُ مَعَها حَقيبَةً بِها مِجْهَرٌ يَدَوِيٌّ ومِلْقَطٌ ومِقَصٌّ ومُلَوَّناتٌ وقَلَمُ رَصاصٍ ولِصاقٌ وَدَفْتَرٌ صَغيرٌ لِتَدْوينِ الْمُلاحَظاتِ، أَمّا نَرْجِسُ فَقَدْ أَخَذَتْ مَعَها عُدَّتَها الطِّبِّيَّةَ، مِنْ ضِمادَةٍ وكُحولٍ وَدَواءٍ أَحْمَرَ ولِصاقِ ومِقَصِّ في حالَةِ ما إِذا أُصيبَ أَحَدُ الإِخْوَةِ بِخَدْشٍ أَوْ جَرْحِ.

وَحَمَلَتْ ياسَمينُ مَعَها حَقيبَةَ الطَّعامِ، ورِياضُ أَخَذَ كُرَتَهُ الْمُفَضَّلَةَ لِيَلْهُوَ بِها.

بَعْدَ أَنْ وَصَلَ الإِخْوَةُ إِلى المِنْطَقَةِ الْجَبَلِيَّةِ، جَلَسوا فِي بُقْعَةٍ خَضْراءَ مُزَكْرَشَةٍ بِالزُّهورِ الْمُلَوَّنَةِ…انْطَلَقَتْ زَهْرَةُ بَيْنَ الْحَشائِشِ، تَحْمِلُ كُلَّ ما وَقَعَتْ عَيْناها عَلَيْها… فَأَلْصَقَتْ في دَفْتَرِها زَهْرَةً صَفْراءَ وسَمَّتْها بِ “الزِّرِّ الذَّهَبِيِّ “، وَحَمَلَتْ نَمْلَةً مَيِّتَةً وَضَعَتْها عَلى الشَّريطِ اللاّصِقِ وأَضافَتْها لِلصَّفْحَةِ الثّانِيَةِ، وَسَجَّلَتْ تَحْتَها مُلاحَظَةً حَوْلَ النَّمْل وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ،

ثُمَّ اكْتَشَفَتْ حَشَراتٍ أُخْرى كَالْخُنْفُساءِ الَتي أَعْجَبَتْها بِلَوْنِها الأَحْمَرِ الْمُنَقَّطِ بِالأَسْوَدِ، فَرَسَمَتْها في دَفْتَرِها، وفجْأَةً طارَتْ الْخُنْفُساءُ فَصَرَخَتْ زَهْرَةُ:

– أَبي… أَبي… لَقَدْ اخْتَرَعْتُ شَيْئا عَجيبًا.

– وَماهُو يا ابْنَتي ؟

– وَجَدْتُ حَشَرَةً دائِرِيَّةَ الشَّكْلِ، لَمْ أَرَ مِثْلَها مِنْ قَبْلُ، تَسْتَطيعُ الطَّيَرانَ رَغْمَ حَجْمِها الْكَبيرِ.

ضَحِكَ الأَبُ وقالَ لابْنَتِهِ :

– يا زَهْرَةُ هَذِهِ خُنْفُساءٌ، وَما وَجَدْتِهِ يُسَمَّى اكْتِشافًا ولَيْسَ اخْتِراعًا، فالمُكْتَشِفُ هُوَ الَّذي يَجِدُ الأَشْياءَ أَوَّلَ مَرَّةٍ كَما خَلَقَها الله، والمُخْتَرِعُ هُوَ الَّذي يَصْنَعُ الأشْياءَ مِثْلَ الْمِصْباحِ والْقَلَمِ والطَّائِرَةِ وغَيْرِها…

– اِذَن أَنا اكْتَشَفْتُ خُنْفُساءَ. يَجِبُ أَنْ أُدَوِّنَ اسْمَها في دَفْتَري.

– أَنْتِ حَقًّا مُكْتَشِفَةٌ صَغيرَةٌ.

قَضَتْ زَهْرَةُ وأَخَواتُها وَقْتًا طَيِّبًا وأَدْرَكَتْ أَنَّ الطَّبيعَةَ مَليئَةٌ بِالأَسْرارِ والْجَمالِ.

يَكْفي أَنْ نَفْتَحَ عُيونَنا لِنَكْتَشِفَها.