كانَتْ زَهْرَةُ في زِيارَةٍ لِعَمَّتِها فَتيحَةَ… فَتيحَةُ تُحِبُّ الطُّيورَ وتَعْتَني بِبَبَّغاءٍ كَبيرٍ بَديعِ الشَّكْلِ وحَمامَتَيْنِ بَيْضاوَيْنِ مِثْلَ الثَّلْجِ.
ابْتَهَجَتْ زَهْرَةُ بِمَرْأى الطُّيورِ وبَقِيَتْ لِساعاتٍ وهِيَ تُحاوِلُ اِنْطاقَ الْبَبَّغاءِ الْعَنيدِ.
هَيّا تَكَلَّمْ قُلْ شَيْئًا، هَلْ أَكَلَتِ الْقِطَّةُ لِسانَكَ ؟ قُلْ مَرْحَبًا زَهْرَةُ…هَيّا قُلْها…
ضَجِرَتْ زَهْرَةُ مِنَ الْبَبَّغاءِ، وصَعِدَتِ السَّلالِمَ لِتُلْقَِيَ التَّحِيَّةَ عَلى الْحَمامَتَيْنِ. حَمَلَتْ قَفَصَهُما وجَلَسَتْ مَعَهُما في السَّطْحِ ظَانَّةً أَنَّهُما يَحْتاجانِ لِبَعْضِ الْهَواءِ الْعَليلِ. نادَتْ عَلَيْها الْعَمَّةُ لِتَناوُلِ طَعامِ الْغَذاءِ، فَتَرَكَتْهُما، وظَلَّتْ وَقْتًا طَويلاً تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَسْتَمْتِعُ بِأَحاديثِ أَفْرادِ الْعائِلَةِ وَضَحِكاتِهِمْ… إِلى أَنْ تَذَكَّرَتْ الْحَمامَتَيْنِ فَجْأَةً وصَعِدَتْ مُسْرِعَةً إِلى السَّطْحِ لِتُعيدَ الْقَفَصَ إِلى مَكانِهِ وَلَكِنَّها صُعِقََتْ مِنْ هَوْلِ الْفاجِعَةِ… ماتَتْ إِحْدى الْحَمامَتَيْنِ، وبَقِيَتِ الثّانِيَةُ تَلْهَثُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَش.
اَسْرَعَتْ زَهْرَةُ ورَشَّتْها بِالْماءِ وسَقَتْها وهِيَ مَصْدومَةٌ لا تُصَدِّقُ ما حَصَلَ.
ثُمَّ أَعادَت الْقَفَصَ إِلى مَكانِهِ، وعادَتْ إِلى الطّابَقِ السُّفْلِيِّ وَجَلَسَتْ واجِمَةً بَيْنَ أَفْرادِ الْعائِلَةِ. بَعْدَ وَقْتٍ قَصيرٍ غابَتْ عَمَّتُها لِوَهْلَةٍ، ثُمَّ عادَتْ حَزينَةً.
– ماتَتْ إِحْدى حَمامَتَيَّ، المِسْكينَةُ لا أَدْري ما الَّذي أَصابَها، كانَتْ نَشيطَةً، تَقْفِزُ وتَأْكُلُ الْحَبَّ في الصَّباحِ. هذا قَدَرُ الله ، لا رادَّ لِقَضائِهِ.
احْمَرَّتْ وَجْنَتا زَهْرَةَ مِنَ الْخَجَلِ. فَلا أَحَدَ يَعْرِفُ أَنَّها كانَتْ السَّبَبَ في مَوْتِ الْحَمامَةِ وَلَمْ تَمْلِكِ الشَّجاعَةَ لِتَعْتَرِفَ بِذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْعِقابِ.
وخَشِيَتْ مِنْ غَضَبِ الله عَلَيْها، كَما غَضِبَ عَلى الْمَرْأَةِ الَّتي حَبَسَتْ قِطَّتَها في الْمَنْزِلِ وسافَرَتْ وتَرَكَتْها حَتّى ماتَتْ مِنَ الْجوعِ، فَدَخَلَتْ جَهَنَّمَ لاِهْمالِها الْقِطَّةَ.
– هَلْ سَأَدْخُلُ جَهَنَّمَ أَنا أَيْضًا بِسَبَبِ إِهْمالي لِلْحَمامَةِ ؟ لَكِنّي صَغيرَةٌ ولله لا يُعاقِبُ الصِّغارَ عَلى أَخْطاءٍ لَمْ َيَتَعَّمدوها، لِذا عَلَيَّ أَنْ أَكونَ أَكْثَرَ حِرْصًا في الْمَرَّةِ الْمُقْبِلَةِ. وَلَنْ أُرَبِّيَ أَبَدًا عُصْفورًا أَو حَمامَةً عِنْدَما أَكْبُرُ حَتّى لا أَكونَ سَبَبَ مَوْتِ أَحَدِهِمْ فَأَنا طَيِّبَةٌ وأُريدُ أَنْ أدْخُلَ الْجَنَّةً.
وَهَكَذا بَقِيَتْ ذِكْرى الْحَمامَةِ الْمِسْكينَةِ سِرًّا دَفَنَتْهُ زَهْرَةُ في بِئْرٍ عَميقٍ
وَلَمْ تَبُحْ بِهِ لأَحَدٍ.
تصنيف: كل المواضيع, يوميات زهرة
الوسم أدب الطفل التفاعلي, الحمامة, الحمامة المسكينة, المسكينة, زهرة, يوميات, يوميات زهرة

أحدث التعليقات